فخر الدين الرازي
44
تفسير الرازي
للخلق لم يجد في قلبه روحاً وراحة من نور جلال الله . أما قوله تعالى : * ( فصرهن إليك ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة * ( فصرهن إليك ) * بكسر الصاد ، والباقون بضم الصاد ، أما الضم ففيه قولان الأول : أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق ، ويقال : صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه ، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف ، كأنه قيل : أملهن إليك وقطعهن ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله * ( أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) * على معنى : فضرب فانفلق لأن قوله * ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ) * يدل على التقطيع . فإن قيل : ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ . قلنا : الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك . والقول الثاني : وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد * ( صرهن إليك ) * معناه قطعهن ، يقال : صار الشيء يصوره صوراً ، إذ قطعه ، قال رؤبة يصف خصماً ألد : صرناه بالحكم ، أي قطعناه ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار ، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد ، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة ، وأخرى بالتقطيع ، أما الإمالة فقال الفرّاء : هذه لغة هذيل وسليم : صاره يصيره إذا أماته ، وقال الأخفش وغيره * ( صرهن ) * بكسر الصاد : قطعهن . يقال : صاره يصيره إذا قطعه ، قال الفرّاء : أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع ، فقدمت ياؤها ، كما قالوا : عثا وعاث ، قال المبرّد : وهذا لا يصح ، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته ، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر . المسألة الثانية : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن ، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها ، وخلط بعضها على بعض ، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك ، وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه ، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة ، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك ، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته ، ثم أدعهن يأتينك سعياً ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه : فقطعهن . واحتج عليه بوجوه الأول : أن المشهور في اللغة في